ذُبابة الزيتون (Bactrocera oleae) : من التجارب التاريخية للحلول العلمية الحديثة
الجزء الأول : حقائق تاريخية وملاحظات قديمة
تُعتبر ذبابة الزيتون عبر التاريخ من أشدّ الآفات الزراعية ضررًا بغابات الزيتون في حوض البحر الأبيض المتوسط. تتسبّب اليرقات متاعها في إتلاف لحم الزيتونة وتدهور جودة الزيت، وهو ما ينجم يساهم في ارتفاع الحموضة الحرّة للزيت وظهور عيوب في الطعم والرائحة.
1. شكل الآفة ودورة حياتها
كانت تُسمّى قديمًا Dacus oleae، وهي ذبابة صغيرة طولها حوالي 5 مم، رأسها أصفر وظهرها رمادي. تغرس الأنثى آلة وضع البيض تحت قشرة الزيتونة وتحطّ فيها بيضة، وتخلّي عادة بقعة صغيرة مميّزة في موضع الوخز.
اليرقات (Asticots) تخرج من البيض وتحفر أنفاق داخل لحم الزيتونة، ويختلف تطوّرها حسب درجة الحرارة والظروف المناخية. الإصابة تنجم تتسبّب في تساقط الزيتون قبل الجني وتدهور جودته. في تونس، يتبدّل نشاط الذبابة حسب المنطقة والظروف المناخية ومرحلة نموّ الثمار، لذلك من المهمّ متابعة ظهورها بانتظام خلال الموسم.
2. تجارب زمان واكتشاف طفيل Opius concolor
المحاولات الأولى للمداواة في صفاقس سنتي 1909 و1910 باستعمال الخلائط المسمومة الحلوة، كيف العسل والسكر المسموم، فشلت، خاطر الريح كان يلصّق الرمل في الأوراق المغموسة بالسكر، وهو ما يتسبّب في اصفرار الأوراق وظهور مرض الهباب (Fumagine).
في سنة 1910، وأثناء مهمّة علمية في تونس، تمّ اكتشاف حشرة نافعة وصديقة للفلاح اسمها العلمي Opius concolor. الحشرة الصغيرة هاذي تتطفّل على ذبابة الزيتون وتقضي على جزء من نسلها. وكانوا الفلاحة زمان يجمعوا البقايا اللي فيها الشرانق ويحطّوها في صناديق مغطّاة بشبكة ضيّقة تسمح بخروج الحشرة النافعة وتحجز الذبابة الكبيرة.
الجزء الثاني : التطوّر العلمي وطرق الحماية الحديثة
اليوم، الاسم العلمي المعتمد لذبابة الزيتون هو Bactrocera oleae. وأثبتت الأبحاث الحديثة أنّ الذبابة مرتبطة ببكتيريا تكافلية، من بينها Candidatus Erwinia dacicola، عندها دور في تغذيتها وتطوّرها، خاصة خلال المراحل اللي تعيش فيها اليرقات داخل الزيتون.
المكافحة الحديثة تعتمد على المكافحة المتكاملة (Protection intégrée)، اللي تجمع بين المراقبة المنتظمة، والوقاية، والمصايد، والطعوم الجاذبة، والوسائل الحيوية المتاحة، واستعمال المبيدات المرخّص فيها عند الحاجة، حسب مستوى الإصابة وتعليمات الاستعمال.
1. المراقبة والوقاية من ذبابة الزيتون
- المصايد الاستكشافية : تتستعمل لمتابعة نشاط الذبابة وتقدير تطوّر أعدادها خلال الموسم. تنجم تحتوي على جاذبات غذائية، كيف أملاح الأمونيوم، أو جاذبات أخرى حسب نوع المصيدة. دورها الأساسي هو المراقبة، وما يلزمش نعتبروها وحدها كافية للقضاء على الآفة.
- الطعوم الغذائية بالبروتينات المتحلّلة مائيًا : تجذب الطعوم البروتينية ذبابة الزيتون، وتنجم تتستعمل مع مادّة فعّالة مرخّص فيها، حسب نوع المنتج والاستعمال المسجّل. في تونس، يلزم التثبّت من قائمة المبيدات المحيّنة واختيار منتج مرخّص لمقاومة ذبابة الزيتون على الزيتون، مع احترام الجرعة وتعليمات الاستعمال وفترة ما قبل الجني.
- الصلصال الأبيض (Kaolin) : تمّت دراسة استعمال الكاولين في ضيعة زيتون بنابل خلال الفترة 2012–2014، وأظهرت النتائج إمكانية الحدّ من الإصابة بذبابة الزيتون. يعمل الكاولين على تكوين طبقة معدنية بيضاء فوق سطح الأوراق والثمار، تنجم تعرقل تعرّف الذبابة على الثمرة وتقلّل من وضع البيض. أمّا الفعالية فتختلف حسب المستحضر والتركيز وتوقيت الرشّ والظروف المناخية. لذلك، يلزم التثبّت من توفّر منتج مناسب ومسجّل لهذا الاستعمال في تونس قبل التوصية باستعماله ميدانيًا.
2. الطعوم وتقنية الجذب والقضاء (Attract and Kill)
تعتمد تقنية الجذب والقضاء على استعمال طُعم غذائي أو جاذب مناسب لاستقطاب الذبابة، مع مادّة فعّالة مخصّصة للمكافحة. تختلف الطريقة حسب نوع المستحضر، إذ يمكن أن تعتمد على الرشّ الموضعي لأجزاء من الشجرة أو على مصايد مجهّزة بطعوم.
عدد المصايد وطريقة توزيعها يتحدّدوا حسب نوع المصيدة وتعليمات الشركة المصنّعة والهدف من استعمالها، سواء للمراقبة أو للمكافحة الجماعية. لذلك، ما يلزمش اعتماد عدد ثابت، كيف 50 إلى 100 مصيدة في الهكتار، كقاعدة عامّة من غير تحديد نوع المصيدة والبرنامج المعتمد.
السبيناوساد (Spinosad) مادّة فعّالة ناتجة عن عملية تخمير بكتيرية، وتدخل في بعض الطعوم المخصّصة لمكافحة الحشرات. أمّا استعمال أيّ منتج يحتوي عليها، فيبقى مرتبطًا بتسجيله المحلي ونوع الاستعمال المرخّص به في تونس.
3. المنتجات البيولوجية والمكافحة الحيوية
- الطفيل النافع Psyttalia concolor : يُعرف هذا الطفيل في المراجع القديمة باسم Opius concolor، ويتطفّل على ذبابة الزيتون ويساهم في الحدّ من تكاثرها. نجاح المكافحة الحيوية يتأثّر بالظروف البيئية وقدرة الطفيل على البقاء والتكاثر.
- الفطريات الممرضة للحشرات : فطريات كيف Beauveria bassiana عندها استعمالات في المكافحة الحيوية ضدّ حشرات مختلفة. أمّا فعاليتها ضدّ ذبابة الزيتون وتوفّر المستحضرات المناسبة لها في تونس، فيلزم التثبّت منهما قبل التوصية باستعمالها ميدانيًا.
- تقنية الحشرات العقيمة (TIE) : تعتمد على إطلاق ذكور عقيمة بهدف تقليل نجاح التكاثر. التقنية هاذي تستوجب تنظيمًا ومتابعة على نطاق مناسب، وما يلزمش تقديمها كوسيلة مطبّقة في الضيعات التونسية من غير مصدر يؤكّد ذلك.
حافظ على جودة زيت زيتونك !
مقاومة ذبابة الزيتون تبدأ بالمراقبة المنتظمة للضيعة، ومتابعة المصايد وفحص الثمار للكشف المبكّر عن الإصابة. الجمع بين المراقبة، والطعوم المناسبة، والوسائل الوقائية المدروسة، والتدخّل بالمستحضرات المرخّص فيها عند الحاجة، ينجم يخفّض خطر الإصابة ويساعد على المحافظة على جودة الزيت.
والأهمّ هو اختيار طريقة المكافحة حسب المنطقة والصنف والظروف المناخية ومستوى الإصابة، مع احترام تعليمات استعمال المنتجات وفترة ما قبل الجني. المكافحة الناجعة ما تعتمدش على وسيلة واحدة، بل على برنامج متكامل يتبدّل حسب حالة الضيعة.



